السعيد شنوقة

169

التأويل في التفسير بين المعتزلة والسنة

إنّ الكلام من الفؤاد وإنّما * جعل اللّسان على الفؤاد دليلا . وهكذا ، فإن حد الكلام عند الأشاعرة القول القائم بالنفس الذي تدل عليه العبارات وما يصطلح عليه من الإشارات ، وقد نبه بعض العلماء بأن المراد بذكر الكلام النفسي في الشاهد إنما هو النقض على المعتزلة الذين حصروا الكلام في الحروف والأصوات ، فقالوا لهم : ينتقض حصركم بكلامنا النفسي الذي هو كلام حقيقة وليس بحرف ولا صوت ، فلما صح هذا فكلام الله سبحانه كذلك كلام وليس بحرف ولا صوت ، فلم يقع الاشتراك بينهما إلّا في هذه الصفة السلبية « 1 » . وهي أن كلام الله ليس بحرف ولا صوت كما أن كلامنا النفسي ليس كذلك ، والحقيقتان مختلفتان كل الاختلاف ، فلا ينبغي أن يفهم منه تشبيه كلام الله بكلامنا النفسي في الكنه لما في كلامنا النفسي من الأعراض الحادثة التي يوجد فيها التقديم والتأخير ووقوع بعضها بعد عدم البعض الذي يتقدمه مثلا « 2 » . لقد ذهبوا إلى أن اللفظ مخلوق والمعنى قديم « 3 » . رأوا كلام الله صفة قائمة بالذات الأزلية « 4 » . ولا غرو في أن هذا الخلاف في الكلام الإلهي يعكس التباين حول موضوع قدم الصفات وحدوثها بينهم وبين المعتزلة الذين ذهبوا إلى أن القرآن كلام الله تعالى ووحيه ، وهو مخلوق ومحدث أنزله الله على نبيه ليكون علما ، وليكون دالا على نبوته ، وعلى الأحكام لنرجع إليها في الحلال وفي الحرام « 5 » .

--> ( 1 ) السلوب : ما يدل على الذات مع سلب مثل القدوس والسلام والغنى ونظائره ، فالقدوس هو المسلوب عنه كل ما خطر في البال ويدل في الوهم ، والسلام ومسلوب عنه العيوب ، والغني مسلوب عنه الحاجة . والأحد المسلوب عنه النظير والقسمة : أبو حامد الغزالي ( ت 505 ) ، المقصد الأسنى في شرح معاني أسماء الله الحسنى ، ج 1 ، ص 157 . ( 2 ) انظر أبو عبد الله السنوسي ، شرح أم البراهين في علم الكلام ص 37 . ( 3 ) انظر الإيجي ، المواقف في علم الكلام مكتبة المتنبي ، ص 294 . وانظر د . عمار طالبي ، آراء أبي بكر بن العربي الكلامية ، ص ، 257 وكذا د . علي عبد الفتاح المغربي الفرق الكلامية الإسلامية ، ص 291 . ( 4 ) - انظر الباقلاني ، كتاب التمهيد ، مسألة 400 وما بعدها ، والقاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 195 ، والشهرستاني ، الملل والنمل ، ج 1 ، ص 104 - 108 . والبغدادي الفرق بين الفرق ص 337 . وأبو عبد الله السنوسي ، شرح أم البراهين في علم الكلام ، ص ، 37 ود . سعيد مراد ، مدرسة البصرة الاعتزالية ، ص ، 305 ومحمد أبو زهرة ، تاريخ الجدل ، دار الفكر العربي إبداع ، 1980 م ، ص 257 . ( 5 ) القاضي عبد الجبار ، شرح الأصول الخمسة ، ج 2 ، ص 195 - 196 .